القاضي عبد الجبار الهمذاني

287

المغني في أبواب التوحيد والعدل

في القرآن ما ذكرناه ، بما ظهر عنهم من الخبر وغيره ، وبعلمنا أن الجمع العظيم لا يجوز أن يعتقدوا في شيء أنه على بعض الصفات ، ويخبرون بخلافه ؛ ونعلم أن اعتقادهم لذلك علم ، لما بيناه من قبل ، من أن طريق هذا الاعتقاد هو الإدراك والعادة ، ومن حق الاعتقاد إذا وقع على جهة الاضطرار أن يكون علما لا محالة ، ولا يجوز أن يكون هذا العلم حاصلا لهم بمزية القرآن ، على الحدّ الّذي ذكرناه ، ثم يشتبه عليهم حال المعارضة ، حتى يظنوا أنها ممكنة ، وأنها لا تقتضى إبطال أمره ، صلى اللّه عليه ؛ بل لا بدّ من أن يكونوا عالمين بأنها إن أمكنت فقد بطلت حجته ، وادّعاؤه كون القرآن معجزا ؛ أو يعلموا أنها غير ممكنة ، فيعدلوا عنها ؛ مع العلم والبصيرة . وهذه الجملة تبطل سائر ما يسألون عنه ، من ذكر الشبه الداخلة عليهم ، في معارضة القرآن ، وأنهم لأجلها لم يأتوا بها ، وإن كانت ممكنة لهم ؛ وكيف يجوز أن يدّعى على العرب ذلك ، وقد كانوا لتقدّمهم في هذا الباب يميزون بين شعر الطبقة الأولى ، من الشعراء ، ومن بعدهم ، ومن سائر الكلام المتفاضل في الرتبة ، ومزية القرآن أعظم في هذا الباب ، فلا بد من أن يكون علمهم بذلك ضروريا . واعلم . . أن حال القرآن لا يخلو من وجهين ، في قسمة العقل : إما أن يكون بمنزلة المعتاد ، من الكلام الفصيح ، حتى لا يباينه المباينة ، الموجبة لخروجه عن العادة . أو أن يكون مباينا للمعتاد ، ولا ثالث لهذين القسمين . . ثم لا يخلو حال العرب ، الذين هم النهاية في الفصاحة ، في زمن رسول اللّه ، ] صلى اللّه عليه ، من أن يكونوا عالمين ، من حال القرآن ما هو عليه ؛ أو شاكين فيه ؛ أو معتقدين لخلافه .